عبد الرحمن بدوي

108

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

يا نفس ! إن زمانا تدبّر فيه الرعية السلطان لزمان معكوس « 1 » ، وقد وجبت الهلكة على الجميع . وإذا وجب أن يكون الفرس يدبّر الفارس فقد وجب هلاكهما جميعا . وإذا وجب أن يكون « 2 » الجسد يدبر النفس فقد وجب « 3 » هلاكهما جميعا . يا نفس ! إن السياسة هي خلة « 4 » لا تصلح لمخلوق « 5 » البتة ، وإنما هي محنة يمتحن « 6 » بها الناس : فإن امتحن بها العاقل الرشيد تبيّن من نفسه الضعف عن القيام بتدبيرها فخضع وذلّ ورغب إلى سائس الكلّ وعلّته ، الفائض « 7 » بالخير كله على الطالبين إليه « 8 » ، فاكتسبت نفسه بانصبابها إلى الخير خيرا وبصيرة ، فيهدى إلى حسن السيرة والقصد إلى وجه الإصابة والنجاة من الخطأ « 9 » بحسن التوفيق . فتكون هذه النفس تشرب من ينبوع الخير والعدل ، ثم تفيض بما فيها على من تشتمله سياستها . فبذلك يكون ظهور العدل والخير وسعادة السائس والمسوس . - وأما الجاهل فإنه « 10 » إذا امتحن بالسياسة سرّه ذلك وأبهجه ورأى أن في قوّته وطبعه ما يقوم بها وبأضعافها . فحينئذ يتهاون بها وبتدبيرها « 11 » ، بجميع قوّته « 12 » إلى التلذذ والتنعم المثمرين الجهل والعمى والزلل والخطأ ؛ فتكون تشرب من ينبوع الشرّ والجور ، ثم تفيض بما فيها على من هو تحت سياستها ، فيكون بذلك ظهور الشرّ والجور وهلكة السائس والمسوس .

--> ( 1 ) ص ، س : يا نفس ! الزمان الذي تدبر فيه الرعية للسلطان مقلوب معكوس . ( 2 ) يكون : ناقصة في ب . ( 3 ) ب : فقد هلكا جميعا . ( 4 ) ب : هي كلها ( ! ) - وفي الهامش أثبت ل : حلة - واقترح تصحيحها حالة - والأمر أوضح كما ترى . ( 5 ) ب : للمخلوق . ( 6 ) ص : منحة يمنحوا بها الناس ( ! ) ( 7 ) ب : الفائضة . ( 8 ) ب : إليها فيكتسب نفسه حينئذ بانضيافها إلى الخير - وما أثبتنا في ص ، س ، ن . ( 9 ) ص ، س : من ذلك الخطأ . ( 10 ) ب : إنه . ( 11 ) بها : ناقصة في ص ، س . ( 12 ) ص ، س : قواتها .